علي بن أحمد المهائمي

649

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

ولما فرغ عن بيان فوزه بأدنى المراتب عند فراره عن مصر ووصوله إلى مدين ، شرع في بيان فوزه بأعلى المراتب عند خروجه من مدين ، ورجوعه إلى مصر ، فقال : ( وقوله : فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً [ الشعراء : 21 ] : يريد الخلافة ) التي لا يخاف صاحبها على نفسه ، بل يخاف منه ، وليس المراد النبوة ، وإلا كان قوله : ( وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 21 ] ) تكرارا ؛ لأنه ( يريد الرسالة ) ، وهي مستلزمة للنبوة ، وإن لم تستلزم الخلافة ، ( فما كل رسول خليفة ) ، كما أنه ليس كل خليفة رسولا أو نبيّا ، ( فالخليفة ) سواء كان نبيّا أو رسولا أو لا ، ( صاحب السيف ) العام ( والعزل والولاية ) ، أي : التولية ( والرسول ) من حيث هو رسول ( ليس كذلك ) ، بل ( إنما عليه البلاغ ) ، أي : التبليغ ( لما أرسل به ) من الأحكام الأصلية أو الفرعية ، ( فإن قاتل عليه ) ، أي : على إلزام ما أرسل به مع المخالفين ، ( وحماه بالسيف للموافقين ، فذلك الخليفة الرسول ) ذي المرتبة جامعة من كل وجه ، ومرتبة الرسالة إنما تجمع النبوة والولاية ، ومرتبة النبوة إنما تجمع الولاية ، ومرتبة الولاية لا تجمع شيئا من ذلك إلا الخلافة في بعض الأحيان ، ( فكما أنه ما كل نبي رسول ، كذلك ما كل رسول خليفة ) ، وإن كان صاحب الأحكام ؛ فلذلك قال ( أي : ما أعطى ) الحكم ، أي : حكم العزل والولاية ، أي : بتقييد الأحكام فيما أعطى فيه الحكم بالعزل والتولية . [ وأمّا حكمة سؤال فرعون عن الماهيّة الإلهيّة ؛ فلم يكن عن جهل ، وإنّما كان عن اختبار حتّى يرى جوابه مع دعواه الرّسالة عن ربّه وقد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم فيستدلّ بجوابه على صدق دعواه ، وسأل سؤال إيهام من أجل الحاضرين حتّى يعرّفهم من حيث لا يشعرون بما شعر هو في نفسه في سؤاله ، فإذا أجابه جواب العلماء بالأمر ، أظهر فرعون إبقاء لمنصبه أنّ موسى ما أجابه على سؤاله ، فيتبيّن عند الحاضرين لقصور فهمهم أنّ فرعون أعلم من موسى ، ولهذا لمّا قال له في الجواب ما ينبغي ، وهو في الظّاهر غير جواب ما سئل عنه ] . ولما فرغ عن بيان حصول الرسالة له ، شرع في بيان قيامه من المقاومة مع المرسل إليهم ، وإظهار الآيات لهم ، فقال : ( وأما حكمة سؤال فرعون ) ، أي : الغرض المقصود له في السؤال ( عن الماهية الإلهية ) ، بقوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] سأل عن حده المشتمل على الجنسين والفصل ، ( فلم يكن عن جهل ) من فرعون ، [ وإن ] الأنبياء وأتباعهم ، والفلاسفة يمنعون تحديده لسماعه ذلك من القدماء ، ( إنما كان عن اختبار ) لموسى من يعطى مقالتهم ( حتى يرى جوابه ) هل يشتمل على الجنسين والفصل فيخطئ ، ويبقي السؤال فلم لا ؟ ( مع دعواه الرسالة عن ربه ) الذي لا يرسل من لا يعرفه عند المؤمنين باللّه والرسل ؛ وذلك لأنه ( قد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم ) عند المؤمنين